اليمن الإخباري - بوابتك للخبر الموثوق
فيسبوك تويتر تيليجرام يوتيوب
عاجل

قلعة الزاهر بذمار.. أكثر من قرنين من العمارة والذاكرة فوق قمة عتمة

📅 سبتمبر 06, 2026 ✍️

الناشر: اليمن الاخباري 

في أعالي مديرية عتمة بمحافظة ذمار، تقف قلعة الزاهر فوق قمة جبلية شامخة، شاهدةً على تاريخ طويل من العمارة والتحصين والحياة الاجتماعية، ومطلةً على أودية زراعية ومدرجات جبلية وقرى تتوزع على امتداد المشهد.
وتكتسب القلعة أهمية خاصة من موقعها الاستراتيجي، الذي أتاح لها الإشراف على عدد من الطرق والممرات والأودية، كما منحها إطلالة واسعة على مخاليف المديرية الخمسة، وأجزاء من جبل الشرق والقفر ومغرب عنس، وصولًا إلى امتدادات وصاب.
وتطل القلعة على عدد من الأودية، بينها وادي الزيلة ووادي خبش ووادي جعفر، حيث تتدرج المدرجات الزراعية على السفوح، لتجمع المنطقة بين القيمة التاريخية للموقع والمشهد الطبيعي الذي يحيط به.
وعرفت القلعة عبر تاريخها بعدة أسماء، من بينها قلعة الزاهر، وحصن الذاهبي، وقلعة حصن سماه، إضافة إلى قلعة آل صلاح، نسبةً إلى الشيخ علي بن إسماعيل صلاح الذي ارتبط اسمه بإعادة بناء القلعة بصورتها الحالية.
وتشير الروايات والوثائق المتعلقة بالموقع إلى أن القلعة الحالية قامت على موضع بناء أقدم كان يتكون من طابقين ويؤدي وظيفة دفاعية، قبل أن تتعرض أجزاء منه للتهدم نتيجة الغزوات والصراعات، ثم غطى الإهمال وعوامل الطبيعة ما تبقى من البناء القديم.
وفي عام 1213 هجرية، الموافق 1798 ميلادية، بدأ الشيخ علي بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عبدالله صلاح إعادة إحياء الموقع، بإزالة مخلفات البناء القديم وتوسعة مساحة الأرض والبدء في تشييد القلعة التي عُرفت لاحقًا بقلعة الزاهر.
ولم تكتمل القلعة في مرحلة واحدة، إذ استمرت أعمال البناء والتوسعة والترميم على مدى أجيال متعاقبة.
ففي عام 1251 هجرية، الموافق 1835 ميلادية، واصل الشيخ عبدالرزاق بن علي بن إسماعيل صلاح وإخوانه أعمال البناء، حيث استُكمل الحصن الشرقي وشُيدت طوابق جديدة، إلى جانب درج قبلي لربط أجزاء القلعة.
وفي عام 1268 هجرية، الموافق 1851 ميلادية، شُيد الحصن الغربي العدني، وربط بالحصن القبلي عبر مدخل ودرج واحد.
وفي عام 1288 هجرية، الموافق 1872 ميلادية، بُني المسجد الأثري القائم إلى جوار القلعة من الجهة القبلية، إلى جانب بركتين لجمع مياه الأمطار.
أما في عام 1311 هجرية، الموافق 1893 ميلادية، فأضيف الطابق الرابع في الجهة الشرقية، وأنشئت بوابة جمعت الحصون الثلاثة تحت مدخل واحد، عُرفت باسم "الباب الجامع"، واستقر اسم قلعة الزاهر على مجموع هذه الحصون.
وشهد عام 1350 هجرية، الموافق 1931 ميلادية، استكمال الطابق الخامس في الجهة الشرقية والرابع في الجهة الغربية، إلى جانب إنشاء مجلس ومرافقه وحمام بخار.
وفي عام 1384 هجرية، الموافق 1964 ميلادية، أضيف ديوانا استقبال مع ملحقاتهما، ونُفذت أعمال ترميم وصيانة شملت إعادة بناء الركن الشرقي الجنوبي من أساسه حتى قمته.
وتتكون القلعة حاليًا من خمسة طوابق في الجهة الشرقية وأربعة في الجهة الغربية، وهو اختلاف يرتبط بطبيعة الصخرة التي أقيم عليها البناء، فيما تشير الروايات إلى هدم الطابق العلوي خلال أحداث ثورة 1948.
وتضم القلعة قرابة مائة غرفة، توزعت بين السكن والمجالس والممرات ومرافق التخزين والمراقبة والاستقبال، فيما توجد في جهتها الشمالية الشرقية نوبة للحراسة، تؤكد استمرار الوظيفة الدفاعية التي ارتبط بها الموقع منذ مراحله الأولى.
كما تعكس القلعة نمطًا من العمارة التي جمعت بين التحصين ومتطلبات الحياة اليومية؛ إذ تضم مدافن لتخزين الحبوب، وأحقابًا لحفظ حبوب البن، إلى جانب برك لجمع مياه الأمطار، بما وفر لسكانها قدرًا من الاكتفاء في موقع جبلي مرتفع.
وتضم كذلك مجلسين للاستقبال مع ملحقاتهما، يطلان على الجهات الغربية والجنوبية، وكانا مخصصين للضيافة واستقبال أعيان المنطقة والوافدين، فيما يضيف المسجد الأثري المجاور بُعدًا دينيًا إلى مكونات الموقع.
ولم تسلم القلعة من آثار الأحداث الحديثة، ففي عام 1405 هجرية، الموافق 1984 ميلادية، نُفذت أعمال ترميم واسعة بعد أضرار لحقت بها خلال أحداث الجبهة، شملت الجهات الغربية والجنوبية والأدوار العلوية الشرقية، إلى جانب فتح نوافذ كبيرة وترميم البرك الرئيسية.
وفي عام 1410 هجرية، الموافق 1990 ميلادية، أضيف حصن جديد من الجهة الجنوبية مكوّن من ثلاثة طوابق، وربط بالقلعة وديواني الاستقبال عبر مدخل واحد.
وتواصلت بعد ذلك أعمال الصيانة والترميم، ومنها ترميم الأسطح ومعالجة الأجزاء المتهالكة، في محاولة للحفاظ على البناء واستمرار بقائه شاهدًا على تاريخ المنطقة.
وتبرز قلعة الزاهر اليوم كأحد المواقع التي تجمع بين الموروث المعماري والذاكرة التاريخية والطبيعة الجبلية، إذ لا تقتصر أهميتها على كونها حصنًا أثريًا، بل تمثل نموذجًا لعلاقة الإنسان اليمني بالمكان، وقدرته على توظيف التضاريس في البناء والتحصين وتوفير مقومات الحياة.
ومع امتداد تاريخها لأكثر من قرنين بصورتها المعمارية الحالية، إلى جانب تاريخ أقدم للموقع، تظل القلعة شاهدًا على تعاقب أجيال من البنّائين والسكان، وعلى مراحل مختلفة من التحصين والتوسع والترميم.
ويرى مهتمون بالتراث أن الحفاظ على قلعة الزاهر لا يرتبط بصون مبنى تاريخي فحسب، بل بحماية جزء من الذاكرة المعمارية والثقافية لليمن، وتعزيز حضور المواقع التاريخية والطبيعية في المشهد السياحي بمحافظة ذمار.