اليمن الإخباري - بوابتك للخبر الموثوق
فيسبوك تويتر تيليجرام يوتيوب
عاجل

قلعة الزاهر في عتمة .. من شموخ الماضي إلى دهشة المكان

📅 سبتمبر 06, 2026 ✍️
الناشر: اليمن الاخباري
وليد صلاح
 
بين هيبة القمم وسكينة الوديان، وفي قلب عتمة الخضراء بمحافظة ذمار، تتربع قلعة الزاهر فوق قمة جبلية شامخة، كأنها تاجٌ حجري يكلل المكان، أو شاهدٌ أبدي اختار أن يروي من علٍ حكاية الأرض والإنسان.
 
هنا، لا تبدو القلعة مجرد أثرٍ عتيق، بل مشهدًا تتآلف فيه التاريخ والعمارة والطبيعة**؛ جدرانٌ تحمل ذاكرة أجيال، ونوافذ تفتح العين على مدًى واسع من الجبال والمدرجات والقرى، وموقعٌ يختزل في علوّه عبقرية الإنسان اليمني في اختيار المكان وبناء الحصن.
 
ولأن الحكاية لا تُروى من بعيد، تأتي هذه الشهادة بلسان أحد أبناء القلعة، ممن عرفها مأوىً ومشهدًا وذاكرةً وميراثًا.
 
**قلعةٌ سكنّاها.. وسكنت فينا.
 
## من القمة تبدأ الحكاية
 
تحتل الزاهر موقعًا استثنائيًا بين قلاع عتمة وحصونها؛ فقد منحها ارتفاعها قدرةً على الإشراف والمراقبة، وعلى رؤية الجهات المحيطة والطرق والممرات والأودية.
 
ومن أعاليها ينفتح الأفق على مخاليف المديرية الخمسة**، ويمتد إلى جهات من جبل الشرق والقفر وأجزاء من مغرب عنس، وصولًا إلى امتدادات وصاب.
 
وتطل القلعة كذلك على أودية زراعية غنية بالجمال، من بينها وادي الزيلة، ووادي خبش، ووادي جعفر، حيث تتدرج المدرجات الخضراء على السفوح، وتتوزع القرى في حضن الجبال، ويمر الضباب في مواسمه كستارةٍ طبيعية تضفي على المشهد مزيدًا من الدهشة.
 
لهذا لا تكتفي الزاهر بقيمتها الأثرية؛ فهي من المواقع التي تجمع للزائر جلال التاريخ واتساع المشهد، وتمنحه تجربة سياحية تتجاور فيها القلعة مع الطبيعة في لوحة واحدة.
 
## أسماءٌ متعددة.. وحكايةٌ واحدة
 
وعلى امتداد تاريخها، عُرفت القلعة بعدة أسماء، ارتبط كل منها بمرحلة أو موضع أو أسرة.
 
قلعة الزاهر؛ وهو الاسم الأشهر الذي استقر على صورتها الحالية، ويحمل في العربية معاني الإشراق والحسن والصفاء.
 
وعُرفت كذلك باسم حصن الذاهبي، نسبةً إلى بناءٍ قديم كان في جزء من الموقع، وارتبط باسم الأسرة الذاهبية.
 
كما حملت اسم قلعة حصن سماه، نسبةً إلى مخلاف سماه الذي تتوسطه، وكانت من أبرز حصونه.
 
وعُرفت أيضًا باسم قلعة آل صلاح، نسبةً إلى الشيخ علي بن إسماعيل صلاح، مؤسس صورتها الحالية، وإلى أسرة آل صلاح التي ارتبط اسمها بعدد من القلاع والحصون في المنطقة.
 
تعددت الأسماء، لكن بقيت الدلالة واحدة: **قلعةٌ ارتبطت بالمكان، وسكنت ذاكرة أهله، وتحولت مع الزمن إلى أحد أبرز معالم عتمة.
 
##من أطلال البناء القديم إلى الميلاد الثاني
 
لم تبدأ الزاهر بالصورة التي نراها اليوم.
ففي موضعها كان بناءٌ قديم مكوّن من طابقين، اتخذ وظيفةً دفاعية، وأسهم في مراقبة الطرق وتأمين القوافل والممرات المحيطة.
وكان الموقع، بما يمثله من أهمية، عرضةً لغزواتٍ متكررة سعت إلى السيطرة على طرق القوافل وفرض الأتاوات وقطع الطرق. وتشير الوثائق والمدونات إلى فتراتٍ استولى فيها مهاجمون على الموقع، قبل أن يُستعاد في حملات قام بها عمال الأئمة المتعاقبون على المنطقة.
لكن المواجهات تركت آثارها؛ فتهدمت أجزاء واسعة من البناء، ثم جاء الإهمال وعوامل الطبيعة لتطوي ما تبقى منه، حتى غاب البناء القديم تحت ركام الزمن.
 
ومن بين تلك الأطلال بدأت صفحة جديدة.
 
في 1213هـ، الموافق 1798م، شرع الشيخ علي بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن عبدالله صلاح، رحمه الله**، في إعادة إحياء الموقع.
 
أزيلت مخلفات البناء القديم، ووسعت مساحة الأرض، وبدأ تأسيس الأدوار الأولى للقلعة التي ستعرف لاحقًا بقلعة الزاهر.
 
لم يكن ذلك مجرد تشييدٍ لبناء جديد، بل إعادة إحياء لموضعٍ استراتيجي، وتحويل للخراب إلى صرحٍ سيواصل أبناء الأسرة استكماله جيلاً بعد جيل.
 
وقبل وفاته، ترك الشيخ علي بن إسماعيل وصيةً خصص فيها أموالًا وأملاكًا للإنفاق على القلعة وصيانتها، وأوصى أبناءه وأحفاده بمواصلة البناء والعناية بها.
 
كما نشأت لاحقًا دعوى من بيت مال المسلمين بشأن ملكية القلعة، استنادًا إلى تولي الشيخ علي إسماعيل العمل على عتمة، إلا أن أحكامًا قضائية من الدرجتين الأولى والثانية انتهت إلى ثبوت ملكية القلعة للشيخ علي إسماعيل وأبنائه من بعده، باعتباره بانيها من أملاكه الخاصة.
 
#قلعةٌ بناها الزمن.. وحفظتها الأجيال
 
لم تُنجز الزاهر في مرحلة واحدة، وإنما تشكلت عبر سلسلة من أعمال البناء والتوسعة والترميم.
 
في 1251هـ، 1835م، واصل الشيخ **عبدالرزاق بن علي بن إسماعيل صلاح وإخوانه البناء، فاستُكمل الحصن الشرقي، وشُيدت طوابق جديدة، وأقيم درج قبلي لربط أجزاء القلعة.

ثم في 1268هـ، 1851م، شُيد الحصن الغربي العدني**، وربط بالحصن القبلي بمدخل ودرج واحد، لتتسع الكتلة المعمارية وتتزايد حصانة الموقع.
 
وفي 1288هـ، 1872م، اكتمل أحد أهم عناصر المشهد؛ إذ بُني المسجد الأثري القائم إلى جوار القلعة من الجهة القبلية، إلى جانب بركتين لتجميع مياه الأمطار.
 
وفي 1311هـ، 1893م، أضاف الشيخ محسن بن أحمد بن علي بن إسماعيل محمد صلاح الطابق الرابع في الجهة الشرقية، وأنشأ البوابة التي جمعت الحصون الثلاثة تحت مدخل واحد، فعُرفت باسم الباب الجامع، واستقر اسم **قلعة الزاهر على مجموع الحصون.
 
ثم جاء عام 1350هـ، 1931م، ليشهد استكمال الطابق الخامس في الجهة الشرقية والرابع في الغربية على يد الشيخ عبدالواحد بن محسن بن أحمد بن علي إسماعيل محمد صلاح**، مع إنشاء مجلس ومرافقه وحمام بخار، في إضافة تعكس تطور متطلبات الحياة داخل القلعة.
 
وفي 1384هـ، 1964م، أضيف ديوانا استقبال مع ملحقاتهما، ونُفذت أعمال ترميم وصيانة واسعة، شملت إعادة بناء الركن الشرقي الجنوبي من أساسه حتى قمته.
 
#عمارةٌ تجمع الحصن بالقصر
 
تكشف الزاهر في تفاصيلها عن عمارةٍ لم تجعل القوة نقيضًا للجمال.
 
تتكون القلعة من خمسة طوابق في الجهة الشرقية وأربعة في الجهة الغربية، ويرتبط هذا الاختلاف بطبيعة الصخرة التي أقيم عليها البناء، فيما هُدم الطابق العلوي في أحداث ثورة 1948.
 
وتضم القلعة قرابة مائة غرفة، تتوزع بين السكن والمجالس والممرات والتخزين والمراقبة والاستقبال، لتبدو أقرب إلى مجمعٍ عمراني متكامل فوق القمة.
 
وفي جهتها الشمالية الشرقية تقوم نوبة للحراسة، يبلغ ارتفاعها تقريبًا ارتفاع القلعة، بما يؤكد الوظيفة الدفاعية للمكان وذكاء تخطيطه.
 
لكن الزاهر لا تستعرض قوتها بالحجر وحده؛ ففي بنائها تناسبٌ لافت بين الكتلة المعمارية وطبيعة الجبل، وبين صرامة الحصن وملامح القصر.
 
**حصنٌ يحمي.. وقصرٌ يحتضن الحياة.
 
#هندسة الاكتفاء فوق القمة
 
ولعل أكثر ما يلفت في الزاهر أن الحياة داخلها لم تكن منفصلة عن طبيعة البيئة الجبلية.
 
ففيها المدافن**، وهي مخازن أرضية لحفظ الحبوب وتخزينها لفترات طويلة.
 
وفيها الأحقاب، التي استخدمت لحفظ حبوب البن، في دلالة على ارتباط القلعة بمحيطها الزراعي والاقتصادي.
 
أما البرك، فكانت خزانات لجمع مياه الأمطار، لتضمن للقلعة موردًا أساسيًا للحياة في موضع مرتفع.
 
وتضم القلعة كذلك **مجلسين للاستقبال مع ملحقاتهما، يطلان على الجهات الغربية والجنوبية، وكانا فضاءً للضيافة واستقبال أعيان المخلاف والمديرية والوافدين.
 
وبجوارها، يقف المسجد الأثري؛ ليضيف إلى المشهد بعدًا روحانيًا، ويجعل من المكان صورة متكاملة تتجاور فيها الحصانة والسكينة.
 
## ذاكرةٌ نجت من العواصف
 
وكما قاومت القلعة غزوات الماضي، واجهت في العصر الحديث أحداثًا تركت أثرها في بنيانها.
 
ففي 1405هـ، 1984م، وبعد الأضرار التي لحقت بها خلال أحداث الجبهة، تولى الشيخ عبدالوهاب بن عبدالواحد بن محسن بن أحمد بن علي بن إسماعيل بن محمد صلاح، رحمه الله**، أعمال ترميم واسعة شملت الجهات الغربية والجنوبية، وأعيد بناء وترميم الأدوار العلوية الشرقية، وفتحت نوافذ كبيرة، ورُممت البرك الرئيسية.
 
وفي 1410هـ، 1990م، أضيف حصن جديد من الجهة الجنوبية، مكوّن من ثلاثة طوابق، وربط بالقلعة وديواني الاستقبال بمدخل واحد.
 
وفي المراحل اللاحقة، واصل الشيخ **جمال بن عبدالوهاب صلاح أعمال الصيانة والترميم، ومنها ترميم الأسطح ومعالجة الأجزاء المتهالكة، لتبقى القلعة قائمةً في وجه الزمن.
 
وهكذا، لم تكن الزاهر بناءً اكتمل ثم توقف؛ بل كانت ملحمة عمران متصلة**، كل جيل فيها ترك بصمته، وكل مرحلة أضافت إلى الصرح طبقة جديدة من الحكاية.
 
## قلعةٌ تستحق أن تُكتشف
 
اليوم، تقف قلعة الزاهر فوق عتمة، حاملةً أكثر من قرنين من تاريخ بنائها الحديث، وذاكرةً أقدم من ذلك تعود إلى البناء الذي سبقها.
 
إنها ليست مجرد حصنٍ مرتفع، ولا مجرد أثرٍ يستعاد من صفحات التاريخ؛ بل وجهة تجمع **الموروث المعماري، والذاكرة التاريخية، والطبيعة الجبلية، وروعة المشهد.
من يقف على شرفاتها لا يرى الجبال وحدها؛ بل يرى كيف استطاع الإنسان اليمني أن يصنع من القمة موطنًا، ومن الحجر عمرانًا، ومن التحصين جمالًا، ومن المكان هوية. ولهذا فإن الحفاظ على الزاهر ليس صونًا لحجارةٍ عتيقة فحسب، بل حمايةٌ لذاكرةٍ وطنية، وإبقاءٌ على فصلٍ أصيل من فصول العمارة اليمنية وتراثها السياحي والثقافي.