اليمن الاخباري
يقف الجامع الكبير بمدينة حيس، المعروف تاريخيًا باسم الخانقاة المظفرية، شاهدًا على عراقة المدينة وإرثها الحضاري، وعلى ما بلغته العمارة الدينية في تهامة اليمن من تطور وثراء خلال عهد الدولة الرسولية، ولا يزال الجامع بما يضمّه من عناصر معمارية وزخارف كتابية وهندسية ونباتية يمثل أحد أبرز المعالم التاريخية والتراثية في مدينة حيس بمحافظة الحديدة.
وتقع مدينة حيس في إقليم تهامة على ضفاف وادي نخلة، وتبعد نحو 35 كيلومترًا عن مدينة زبيد، على الطريق الرابط بين تعز والحديدة، واشتهرت منذ القدم بتنوع أنشطتها الحرفية والصناعية، وفي مقدمتها صناعة الفخار المعروف بـ«الفخار الحيسي»، الذي ارتبط باسم المدينة وأصبح أحد ملامح هويتها التراثية.
ويتموضع الجامع الكبير خارج حدود المدينة في طرفها الشمالي، فيما تطل واجهته الجنوبية على الشارع الرئيس الممتد من المدينة باتجاه طريق تعز، وهو موقع منح المبنى حضورًا بارزًا ضمن النسيج العمراني والتاريخي لحيس، وجعله معلمًا دينيًا ومعماريًا ارتبط بتاريخ المدينة على مدى قرون.
وينسب إنشاء الجامع إلى الملك المظفر يوسف بن السلطان الملك المنصور نور الدين عمر بن علي بن رسول، أحد أبرز سلاطين الدولة الرسولية، والذي ولد في مكة المكرمة سنة 620هـ/1223م، ونشأ في كنف والده في بيئة اهتمت بالعلم والتربية الدينية، فتلقى علومه على أيدي عدد من كبار العلماء والفقهاء، قبل أن يجمع في مسيرته بين شؤون الحكم والفقه والعلوم الدينية ومجالات معرفية متعددة.
ولم يكن الملك المظفر حاكمًا فحسب، بل عُرف باهتمامه بالعلم والتأليف، ونُسبت إليه مؤلفات عدة في مجالات مختلفة، منها «تسيير الكواكب» و«درج السياسة في علم الفراسة» و«ما يدل على الخيل من ملاحة وقباحة» و«المعتمد في الأدوية المفردة» و«اللمعة الكافية في الأدوية الشافية» و«المخترع في فنون من الصنع»، بما يعكس اتساع اهتماماته العلمية والمعرفية.
وتولى الملك المظفر الحكم عقب مقتل والده سنة 647هـ/1250م، واستمر في الحكم حتى وفاته سنة 694هـ/1295م، وهي فترة شهدت نشاطًا عمرانيًا واسعًا في مناطق نفوذ الدولة الرسولية، شمل تشييد وتجديد المساجد والمدارس والخانقاوات والحصون والقلاع والأسوار والقصور والآبار والطرقات وغيرها من المنشآت.
ومن بين أبرز ما ارتبط بعصره من أعمال عمرانية دار المضيف بمدينة تعز، إلى جانب أعمال وتجديدات في الحرمين المكي والنبوي، وغيرها من المنشآت التي تعكس عناية الدولة الرسولية بالعمارة الدينية والمدنية والعسكرية، وهو سياق تاريخي يضع جامع حيس الكبير ضمن مرحلة مهمة من تاريخ العمارة اليمنية.
تخطيط معماري يجمع الوظيفة الدينية والتعليمية
اتخذ جامع حيس الكبير تخطيطًا مربعًا تقريبًا، يبلغ طول ضلعه نحو 27.50 مترًا، وشُيدت جدرانه من الآجر، ثم غُطيت بطبقة من النورة، وهي من المواد والتقنيات التي عُرفت في العمارة اليمنية التقليدية.
ويتكون الجامع من صحن مكشوف تحيط به أروقة ومكونات معمارية تتمثل في المقدم والمجنبتين والمؤخر، فيما يقع المدخل الرئيس في الجهة الجنوبية، ويبرز عن سمت الواجهة، ويغطيه قبو مدبب.
ويكتسب المدخل أهمية خاصة لما يحمله من نصوص كتابية نفذت بخط الثلث، تتضمن اسم المنشئ وألقابه ووظيفة المبنى، ومن أبرز النصوص التي تزين المدخل:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أمر بعمارة هذا الدار المضيف والمسجد المبارك مولانا السلطان الملك المظفر يوسف».
ويفتح المدخل على دهليز مستطيل شُغلت جدرانه بزخارف وكتابات تتضمن ألقاب الملك المظفر وعبارات دعائية، في حين تشير طبيعة التخطيط إلى احتمال استخدام الدهليز بوصفه معلَامة لتعليم الصبيان، بما يعكس تعدد الوظائف التي كانت تؤديها المنشآت الدينية في ذلك العصر.
وفي الضلع الجنوبي للدهليز توجد حجرة يُرجح أنها كانت مخصصة لإقامة أحد القائمين على المسجد، بينما يفضي الدهليز في نهايته إلى الصحن المكشوف الذي تتوزع حوله بقية عناصر الجامع.
المقدم.. مركز العمارة والعبادة
يشغل المقدم القسم الشمالي من الجامع، ويتكون من مساحة مستطيلة قُسمت إلى رواقين موازيين لجدار القبلة، بواسطة بائكة ترتكز عقودها على دعامات مربعة.
وينقسم المقدم إلى ثلاثة أقسام رئيسة؛ يتوسطها المجلس القبلي الذي يشغل القسم الأوسط، وقد غُطي بقبوين مدببين، بينما يتوزع على جانبيه جناحان شرقي وغربي.
ويتميز الجناح الشرقي بتغطيته بأربع قباب مدببة، في حين غُطي الجناح الغربي بقبتين، في تكوين معماري يمنح فضاء المقدم تنوعًا في أشكال التغطية ويبرز مهارة البنائين في معالجة المساحات الداخلية.
وفي صدر جدار القبلة يتوسط المحراب، الذي جاء على هيئة حنية نصف دائرية تنتهي بطاقية إشعاعية، ويكتنفه عمودان مندمجان زُينا بزخارف دالية ذات تشكيلات زجزاجية.
كما زخرفت حنية المحراب بعناصر كتابية ونباتية وهندسية، في مزيج زخرفي يعكس الخصائص الفنية للعمارة الدينية اليمنية في العصر الرسولي، فيما يقع إلى يمين المحراب منبر خشبي بسيط.
المؤخر والمجلس اليماني.. ملامح الوظيفة التعليمية
ويشتمل مؤخر الجامع على إيوان ومجلس يماني، ويطل الإيوان على الصحن من الجهة الجنوبية، ويتخذ شكلًا شبه مربع، فيما ترتفع أرضيته عن مستوى الصحن.
وزُينت جدران الإيوان بزخارف هندسية بارزة، من بينها تشكيلات الطبق النجمي، إلى جانب كتابات قرآنية، بما يمنح المكان قيمة فنية تتجاوز وظيفته المعمارية إلى كونه فضاءً زخرفيًا يحمل ملامح الفن الإسلامي في اليمن.
أما المجلس اليماني، فجاء مستطيل الشكل، وقُسم إلى مساحتين غُطيت كل منهما بقبة، ويرجح أن يكون قد أدى وظيفة تعليمية، الأمر الذي يشير إلى أن الجامع لم يكن مكانًا لإقامة الصلاة فحسب، بل كان فضاءً للعلم والتدريس والتنشئة الدينية.
المجنبتان.. تكامل في التكوين المعماري
وتحيط بالصحن من الجهتين الشرقية والغربية مجنبتان؛ تتخذ المجنبة الشرقية شكلًا مستطيلًا، وقُسمت إلى بلاطتين عموديتين على الجناح الشرقي للمقدم بواسطة بائكتين من الدعامات التي تحمل عقودًا مدببة ذات طابع فاطمي.
وغُطيت كل بلاطة بقبو، بينما تتكون المجنبة الغربية من بلاطة واحدة غُطيت بقبو، في معالجة معمارية تظهر قدرة المعمار على تنظيم الفراغات وتكييفها وفق احتياجات المبنى ووظيفته.
ولا تقتصر مكونات الجامع على فضاءات الصلاة والأروقة، إذ تضم منشأته عددًا من المرافق والملاحق، من بينها المواضئ وقاعات الدرس وبئر للماء، وهي عناصر تؤكد الطابع المتكامل للمنشأة بوصفها مركزًا دينيًا وتعليميًا وخدميًا يخدم سكان المدينة وروادها.
ذاكرة معمارية تختزن تاريخ حيس
ويختزل جامع حيس الكبير، أو الخانقاة المظفرية، جانبًا مهمًا من تاريخ المدينة خلال العصر الرسولي، فهو يجمع بين الوظيفة الدينية والعلمية، وبين القيمة الفنية التي تجسدها الكتابات والزخارف والعقود والقباب والأقبية وتفاصيل المحراب والمدخل.
كما يمثل الجامع جزءًا من الذاكرة العمرانية لمدينة حيس، التي ظلت عبر تاريخها مركزًا مهمًا في تهامة، وارتبط اسمها بالصناعات والحرف التقليدية، وعلى رأسها صناعة الفخار الحيسي.
ومن خلال تخطيطه ومكوناته ونقوشه، يقدم الجامع صورة حية عن طبيعة المنشآت الدينية في اليمن خلال العصر الرسولي، حين كانت المساجد والخانقاوات والمدارس تؤدي أدوارًا متداخلة في العبادة والتعليم والحياة الاجتماعية.
وبعد مرور قرون على إنشائه، يظل جامع حيس الكبير أحد الشواهد الباقية على العمارة الرسولية في تهامة، وذاكرة حجرية تحفظ جانبًا من تاريخ المدينة وإسهامها في الحضارة اليمنية، بما يجعل صونه ودراسة عناصره المعمارية والزخرفية والحفاظ على نقوشه وخصائصه التراثية مسؤولية ثقافية تعني حماية جزء من الذاكرة التاريخية لليمن.
إذا رغبت، أستطيع أيضًا إعدادها بأسلوب صحفي أقوى للنشر في صحيفة أو وكالة أنباء، مع مقدمة خبرية أكثر جذبًا وعنوان رئيسي وعنوان فرعي و«متن خبر» جاهز للنشر.