مخاوف سودانية من انتقال الانقسام في البلاد الي الاقتصاد وظهور سلطتين قديمين
الخرطوم: اليمن الاخباري
بينما تواصل الحرب الدائرة في السودان إعادة رسم خرائط النفوذ العسكري والسياسي بين أطراف الصراع، بدأت ملامح مواجهة جديدة تتشكل في المجال الاقتصادي، بعد خطوات اتخذتها الحكومة الموازية التي شكلها "تحالف السودان التأسيسي" بقيادة قوات الدعم السريع لإنشاء مؤسسات نقدية خاصة بها وإدارة تداول العملة داخل مناطق سيطرتها.
وأثار تعيين الحكومة الموازية حسين يحيى جنقول محافظاً لما يسمى "البنك المركزي" في مدينة نيالا بإقليم دارفور في 21 مايو الماضي جدلاً واسعاً بين خبراء الاقتصاد والمصرفيين، وسط تساؤلات متزايدة بشأن ما إذا كانت البلاد تتجه نحو وجود سلطة نقدية موازية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على وحدة النظام المالي وقيمة العملة الوطنية وحركة التجارة والاستثمار.
ويكتسب هذا الجدل أهمية خاصة في ظل تزايد المؤشرات على انتقال تداعيات الانقسام السياسي والعسكري إلى المجال الاقتصادي، إذ يخشى مراقبون من أن يقود استمرار المؤسسات الموازية إلى نشوء نظامين مصرفيين داخل الدولة الواحدة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار النقدي ومستقبل الاقتصاد السوداني.
وكانت الحكومة الموازية، التي لا تحظى بأي اعتراف دولي، قد أصدرت في 11 مايو 2026 قراراً بإنشاء مجلس عملة انتقالي يتولى الإشراف على تداول النقد وتنظيم الأنشطة المصرفية، إلى جانب تنفيذ برنامج لاستبدال العملات بالتنسيق مع المحافظ الجديد.
غير أن الجدل لم يقتصر على قرار التعيين، بل تصاعد بعد تداول تقارير صحفية تحدثت عن ظهور أوراق نقدية تحمل توقيع جنقول من فئتي 500 و1000 جنيه، مؤرخة بشهر مايو 2022، وهي عملات أوقفت الحكومة المركزية التعامل بها ضمن عملية لاستبدال العملة بدأت أواخر عام 2024 وانتهت في مايو الماضي.
وفئة الألف جنيه التي ألغيت تدريجياً كانت تعادل قبل الحرب نحو 1.80 دولار أمريكي في السوق الموازية، بينما تراجعت قيمتها حالياً إلى نحو 25 سنتاً، مسجلة خسارة تقارب 75 في المائة من قيمتها خلال ثلاث سنوات.
وفي وقت سابق، انتقد بنك السودان المركزي التابع للحكومة السودانية خطوة "حكومة تأسيس" بتعيين محافظ وتداول عملات قديمة، وفي المقابل، أفاد تجار وسكان محليون في إقليم دارفور بظهور هذه الفئات القديمة في أسواق نيالا ومناطق أخرى بالإقليم، فيما تحدثت تقارير عن استخدامها في دفع رواتب قوات الدعم السريع.
وقال التاجر أحمد عبد الرحمن، صاحب نشاط تجاري في سوق نيالا الكبير، في تصريح هاتفي لوكالة أنباء ((شينخوا))، إن هذه الأوراق النقدية بدأت تظهر بصورة متزايدة خلال الأشهر الأخيرة، مشيراً إلى أن بعض التجار يقبلون التعامل بها، بينما يبدي آخرون تحفظاً بسبب الجدل القائم حول وضعها القانوني ومستقبل تداولها، وأضاف أن حالة عدم اليقين دفعت بعض المتعاملين إلى رفع أسعار السلع تحسباً لأي تراجع محتمل في قيمة النقد المتداول.
من جانبه، قال المواطن محمد آدم، وهو موظف يقيم في نيالا، إنه تسلم جزءاً من مستحقاته المالية بهذه الفئات، موضحاً أن المواطنين يتعاملون بها في الأسواق اليومية، لكنهم يبدون قلقاً بشأن قدرتهم على استخدامها خارج مناطق دارفور أو استبدالها مستقبلاً عبر النظام المصرفي الرسمي، مشيرا إلى أن كثيراً من السكان باتوا يتساءلون عن مصير مدخراتهم وقيمة أموالهم إذا استمر الانقسام بين المؤسسات النقدية في البلاد.
ودفعت هذه التطورات العديد من الخبراء إلى التساؤل عما إذا كان السودان يتجه نحو مرحلة جديدة من الانقسام الاقتصادي، قد تتجسد في وجود سلطتين نقديتين ونظامين مصرفيين داخل الدولة الواحدة، بما يحمله ذلك من مخاطر على قيمة العملة الوطنية وحركة التجارة والاستثمار.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق محجوب أن الخطوة تمثل تهديداً مباشراً لوحدة الاقتصاد الوطني، مؤكداً أن البنك المركزي ليس مجرد مؤسسة إدارية يمكن استنساخها، بل هو الجهة الوحيدة المخولة بإدارة السياسة النقدية وإصدار العملة، محذرا من أن أي انقسام في هذه الوظيفة السيادية سيقود إلى اضطرابات واسعة في الأسواق.
وتتقاطع هذه الرؤية مع ما ذهب إليه الخبير المصرفي السوداني محمد مصطفى، الذي يرى أن أي انقسام نقدي سيؤدي إلى اضطراب الأسعار وتراجع قيمة العملة الوطنية، مشيرا إلى أن الفئات المتداولة خارج النظام الرسمي لا تحظى باعتراف محلي أو إقليمي، وأن ضخ النقد في اقتصاد يفتقر إلى الحوكمة والرقابة سيؤدي إلى تآكل الثقة وزيادة الاعتماد على العملات الأجنبية، خاصة في المناطق الحدودية.
وأضاف مصطفى أن وجود سلطتين نقديتين قد يقود إلى ظهور أسعار صرف مختلفة بين مناطق السيطرة المتباينة، بحيث تتحدد قيمة الجنيه وفقاً للواقع العسكري والإداري لكل منطقة، وهو ما يهدد وحدة السوق السودانية ويعقد عمليات التجارة والتحويلات المالية.
وفي الاتجاه ذاته، حذر المحلل الاقتصادي السوداني أيوب عبد الحفيظ من أن مؤسسة "بنك المستقبل" العاملة في مناطق سيطرة الدعم السريع قد تتحول إلى نواة لنظام مصرفي موازٍ، موضحا أن الأوراق النقدية المتداولة ليست فئات جديدة، بل أوراق طُبعت خلال فترة تولي جنقول منصب محافظ البنك المركزي، مرجحاً أنها خرجت من مخازن البنك خلال ظروف الحرب.
ويرى عبد الحفيظ أن ضخ كميات كبيرة من النقد دون غطاء إنتاجي حقيقي أسهم بالفعل في تراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم، مشيراً إلى أن السلطات النقدية الرسمية كانت قد لجأت في وقت سابق إلى تغيير توقيع العملة وسحب بعض الفئات الكبيرة للحد من انتشار النقد خارج المنظومة المصرفية الرسمية.
في المقابل، يقدم الخبير الاقتصادي آدم إسحق قراءة مختلفة للمشهد، إذ يرى أن الأزمة لا ترتبط بإنشاء مؤسسات مالية جديدة بقدر ارتباطها بانهيار مؤسسات الدولة المركزية في أجزاء واسعة من البلاد، وقال إن ملايين المواطنين في مناطق غرب السودان باتوا خارج نطاق الخدمات المصرفية التقليدية، ما فرض الحاجة إلى بناء هياكل مالية قادرة على إدارة النشاط الاقتصادي المحلي وتوفير السيولة اللازمة للتعاملات اليومية.
وبحسب إسحق، فإن إنشاء مجلس العملة وتعيين محافظ للبنك المركزي يمثلان محاولة لملء فراغ مؤسسي فرضته ظروف الحرب، وليس مشروعاً مقصوداً لتقسيم الاقتصاد السوداني، مؤكدا أن نجاح هذه التجربة سيعتمد على قدرتها على إدارة الكتلة النقدية وضبط التضخم وكسب ثقة المواطنين والتجار.
ومن منظور مهني، يرى المصرفي السوداني محمد عبد الله أن أخطر ما في الأزمة الحالية ليس شكل العملة أو توقيع المحافظ، وإنما مسألة الشرعية والثقة، موضحا أن قيمة العملة لا تستمد من الورق المطبوع، بل من الاعتراف المؤسسي والقدرة على إدارة السياسة النقدية والمحافظة على استقرار الأسعار.
وأشار إلى أن وجود سلطتين نقديتين أو نظامين مصرفيين داخل الدولة الواحدة سيخلق تحديات كبيرة أمام عمليات المقاصة والتحويلات والتجارة البينية، كما قد يفتح الباب أمام المضاربات النقدية واتساع الفجوة بين أسعار الصرف في المناطق المختلفة.
وتعزز هذه المخاوف تحذيرات عبد الخالق محجوب، الذي يرى أن طباعة أو تداول العملة خارج الأطر القانونية المعترف بها ستفاقم الضغوط على الجنيه السوداني، وستؤثر على التحويلات الخارجية واعتمادات الاستيراد والعلاقات المصرفية مع الخارج، كما حذر من أن فقدان الثقة قد يدفع بعض العملاء إلى سحب ودائعهم من المصارف العاملة في دارفور، ما يزيد من هشاشة القطاع المصرفي.
وعلى مستوى الأسواق، تبدو المخاوف أكثر وضوحاً لدى التجار، وقال التاجر محمد بخيت، وهو من غرب السودان، إن حالة عدم اليقين أصبحت تؤثر بشكل مباشر على النشاط التجاري، موضحاً أن التجار يواجهون صعوبات متزايدة في التحويلات البنكية وتسعير السلع وتحديد وسائل الدفع المقبولة بين المناطق المختلفة.
وأضاف أن كثيراً من التجار باتوا يفضلون التعامل بالدولار أو العملات الأجنبية الأخرى عند إبرام الصفقات الكبرى، خشية تقلبات أسعار الصرف أو عدم وضوح مستقبل النقد المتداول في الأسواق.
ووفقاً لخبراء اقتصاديين، فإن الصراع السوداني دخل مرحلة جديدة تتجاوز التنافس العسكري إلى التنافس على إدارة الاقتصاد ومؤسسات الدولة السيادية، وبينما ترى الحكومة السودانية أن إنشاء سلطة نقدية موازية يمثل تهديداً لوحدة الدولة الاقتصادية، تعتبر حكومة "تأسيس" أن الخطوة ضرورة فرضتها ظروف الحرب وتعطل المؤسسات المركزية.
ومهما اختلفت التفسيرات، يرى الخبراء أن استمرار هذا المسار يضع الاقتصاد السوداني أمام اختبار بالغ الصعوبة، إذ إن وجود سلطتين نقديتين، حتى في حال عدم الإعلان رسمياً عن عملتين منفصلتين، قد يقود إلى واقع اقتصادي منقسم تتحدد فيه قيمة النقود وقواعد السوق وفق خرائط النفوذ العسكري والسياسي، ما يجعل إعادة توحيد الاقتصاد السوداني مستقبلاً أكثر تعقيداً وكلفة من أي وقت مضى.
ويشهد السودان منذ منتصف أبريل 2023 حرباً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف وتشريد ملايين الأشخاص داخل البلاد وخارجها.
المصدر: شينخوا